سورة المائدة
ج ٢ · ص ٢٠٨
عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
وقوله: (ومن عاد فينتقم الله منه).
الفاء جواب الجزاء والمعنى أنه - والله أعلم - ومن عاد مستحلا للصيد
بعد أن حرمه الله منه فينتقم الله منه أي فيعذبه الله.
وجائز أن يكون: من عاد مستخفا بأمر الله فجزاؤه العذاب كجزاء قاتل النفس.
* * *
وقوله: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96)
أي أحل لكم صيد البحر، وأحل لكم طعام البحر للسيارة، فأما صيده
فمعروف، وأما طعامه فقد اختلف فيه، فقال بعضهم: ما نضب الماء عنه
فأخذ بغير صيد فهو طعامه، وقال طعامه هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر، لأنه نبت عن ماء البحر، فأعلمهم الله أن الذي أحل لهم كثير في البر والبحر، وأن الذي حرم عليهم إنما هو صيد البر في حال الإحرام. وسن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم الصيد في الحرم ليكون قد أعذر إليهم من الانتقام ممن عاود ما حرم الله عليه مع كثرة ما أحل الله له.
و (متاعا): منصوب مصدر مؤكد، لأنه لما قال أجل لكم كان دليلا على أنه
قد متعهم به، كما أنه لما قال: (حرمت عليكم أمهاتكم)
كان دليلا على أنه قد كتب عليهم ذلك، فقال: (كتاب الله عليكم).
ج ٢ · ص ٢٠٩
وقوله جل وعز: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97)
قيل إنما سميت الكعبة لتربيع أعلاها.
ومعنى (قياما للناس) أي مما أمروا به أن يقوموا بالفرض فيه.
وكذلك: (والشهر الحرام والهدي والقلائد).
فأما من قال إنه أمن فلأن الله قال: (ومن دخله كان آمنا) ولم تزل
العرب تترك القتال في الشهر الحرام، وكان يسمى رجب الأصم لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح.
وأما من قال جعلت هذه الأشياء ليقوم الناس بها فإنما عنى
متعبداتهم بالحج وأسبابه.
وقوله: (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض).
فيه قولان: أحدهما أن الله لما آمن من الخوف البلد الحرام، والناسق
كان يقتل بعضعهم بعضا، وجعل الشهر الحرام يمتنع فيه من القتل، والقوم
أهل جاهلية، فدل بذلك أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض إذ جعل في
أعظم الأوقات فسادا ما يؤمن به، وفيه قول آخر وهو عندي أبين، وهو أن
ذلك مردود على ما أنبأ الله به على لسان نبيه في هذه السورة من قوله: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم).
فأخبر بنفاقهم الذي كان مستترا عن المسلمين، وما أخبر به أنهم
(سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك).
فأظهر الله ما كانوا أسروه من قصة الزانيين، ومسألتهم إياه - صلى الله عليه وسلم - وما شرحناه مما كانوا عليه في ذلك.
فأظهر الله جل وعز: نبيه والمؤمنين على جميع ما ستروا عنهم.