17
ج ١ · ص ٣٩٩
أبرىء نفسي} [يوسف: 53] وفي قوله تعالى: {* فما كان جواب قومه} [النمل: 56] وقوله تعالى: {* ومن يقنت منكن لله ورسوله} [الأحزاب: 31] وفي وقوله تعالى: {* ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من السمآء} [يس: 28] وفي قوله تعالى: {* إليه يرد علم الساعة} [فصلت: 47] وفي قوله تعالى: {* وبدا لهم سيئات ما عملوا} [الجاثية: 33] . وفي قوله تعالى: {* قال فما خطبكم أيها المرسلون} [الذاريات: 31] . وكذلك الأحزاب كقوله تعالى: {* واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] . وقوله تعالى: {* قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} [آل عمران: 15] . فكل هذا وشبهه ينبغي ألا يبتدأ به ولا يوقف عليه فإنه متعلق بما قبله ولا يغترن بكثرة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني وامتثل ما روى الحاكم أبو عبد الله بإسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: "لا تستوحشن طرق الهدى لقلة أهلها ولا تغترن بكثرة الهالكين ولا يضرك قلة السالكين" ولهذا المعنى قالت العلماء: "قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة". فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال. وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن عبد الله بن الهذيل التابعي المعروف رضي الله عنه قال: "كانوا يكرهون أن يقرأوا بعض الآية ويتركوا بعضها" أه منه بلفظه.
ج ١ · ص ٤٠٠
فهذا الذي ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى مع أنه من الإيجاز بمكان إلا أنه في غاية الوضوح والبيان، وليس على القارىء إلا أن يراعي في هذه المواضع التي عددها الإمام النووي للاستشهاد مثل الذي ضربنا له الأمثال من الاعتبارات بالاستطراد. وليقس القارىء ما ذكره الإمام النووي وذكرناه على ما لم نذكره جميعا في سائر المصحف الشريف فلا يقطع التلاوة إلا على معنى تام يحسن الاستئناف بما بعده على حدة. وليجعل رائده في كل ذلك توخي الوفاء بالمعنى المراد ما استطاع في البدء والمنتهى. فهو أحجى لأولي النهى. وإنه ليثاب على نيته هذه متى توخاه. والله يتولى الجميع بهداه ويوفقهم لما يرضاه.
التنبيه الثاني: في بيان وجوب الابتداء بلفظ "الذي والذين" في مواضع خاصة في القرآن الكريم وكنا قد وعدنا بذكرها في فصل تعريف الابتداء وما يلزم فيه ووفاء بالوعد نقول:
قال الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" ما نصه "قاعدة" في الذي والذين في القرآن: جميع ما في القرآن من "الذي" و"الذين" يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا له والقطع على أنه خبر مبتدأ إلا في سبعة مواضع فإن الابتداء بها هو المعين:
الأول: قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} [البقرة: 121] .
الثاني: قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] .
الثالث: في الأنعام كذلك.
الرابع: قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون} [البقرة: 275] .
الخامس: قوله في سورة التوبة: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} [الآية: 20] .