تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[جواب الذين أبطلوا الحيل] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٠٦١ من ١٬٢٢١.

[جواب الذين أبطلوا الحيل]

ج ٤ · ص ١٥٣

حقيقة السكينة] فالسكينة فعيلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح، وهي عامة وخاصة.

فسكينة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - أخص مراتبها وأعلى أقسامها كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد ألقي في المنجنيق مسافرا إلى ما أضرم له أعداء الله من النار، فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر، وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم وقد استغاث بنو إسرائيل: يا موسى إلى أين تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا وهذا فرعون خلفنا، وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم الله له نداء ونجاء كلاما حقيقة سمعه حقيقة بأذنه، وكذلك السكينة التي حصلت له وقد رأى العصا ثعبانا مبينا، وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد رأى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة، وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا - صلى الله عليه وسلم - وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما، وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة وأعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره؛ فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر، وهي من أعظم معجزاته عند أرباب البصائر، فإن الكذاب - ولا سيما على الله - أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطرابا في مثل هذه المواطن؛ فلو لم يكن للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.

[السكينة الخاصة] وأما الخاصة فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم، وهي سكينة الإيمان، وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك، ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في أصعب المواطن أحوج ما كانوا إليها {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما} [الفتح: 4] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم، وهي السكينة عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وذلك يوم الحديبية، قال الله - سبحانه وتعالى - يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا إليها: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] لما علم الله - سبحانه وتعالى - ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت