[فصل القياس يعارض بعضه بعضا]
ج ١ · ص ٢٥٩
يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه؟ وقد أمر الله - تعالى - بالوفاء بالعقود والعهود كلها، فقال - تعالى -: {وأوفوا بالعهد} [الإسراء: 34] وقال: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وقال: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 8] وقال - تعالى -: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] وقال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] وقال: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76] وقال: {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58] وهذا كثير من القرآن.
وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» وفيه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج» وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال: «بعثني قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع قال: فذهبت ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت» وفي صحيح مسلم عن «حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عامر قال: «دعتني أمي يوما ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتها، فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة» .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله - عز وجل -: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: