تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل حكمة قطع يد السارق دون لسان القاذف] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٤٩٩ من ١٬٢٢١.

[فصل حكمة قطع يد السارق دون لسان القاذف]

ج ٢ · ص ١٩٩

{ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [آل عمران: 66] ونهى أن يقول أحد هذا حلال وهذا حرام لما لم يحرمه الله ورسوله نصا، وأخبر أن فاعل ذلك مفتر على الله الكذب، فقال: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: 116] {متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النحل: 117] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وأما السنة ففي الصحيحين من حديث ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته شريك بن سحماء عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر حديث اللعان وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» يريد - والله ورسوله أعلم - بكتاب الله قوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] ويريد بالشأن - والله أعلم - أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رميت به، ولكن كتاب الله فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع. [من أقوال العلماء في ذلك المعنى]

وقال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر - رضي الله عنه -، فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قضى بالفرش» .

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قضى في مثل هذا أن «الخراج بالضمان» فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر: فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا الحق؛ فبلغتني فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له.

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت