[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]
ج ١ · ص ٤٢٥
لم يتب ظالما، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع. وأيضا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض، لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» وهو مخرج في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما - عن جمهور أهل السنة - أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائض شيئا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقا، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا القول، وحكاه عن الحذاق. وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مراده أنه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد حكي، عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثله.
ج ١ · ص ٤٢٦
في " صحيح مسلم " عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» . وفي " مسند الإمام أحمد " عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتطهر الرجل - يعني يوم الجمعة - فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة» . وخرج النسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام» . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا. وخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى من حديث ابن عمر مرفوعا: " «يقول الله عز وجل: ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة، أغفر لك ما بين ذلك، إلا الكبائر، أو تتوب منها» ".