[الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
ج ١ · ص ٤٨٨
وألم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر. وقال البطال: الشجاعة صبر ساعة. وهذا في جهاد العدو الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدو الباطن، هو جهاد النفس والهوى، فإن جهادهما من أعظم الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» .
وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك، فجاهدها، وابدأ بنفسك، فاغزها.
وقال بقية بن الوليد: أخبرنا إبراهيم بن أدهم، حدثنا الثقة عن علي بن أبي طالب، قال: أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم.
وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب. ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: " مجاهدة العبد لهواه» .
ج ١ · ص ٤٨٩
ويروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نورا، أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» ".
وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر رضي الله عنهما حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.
فهذا الجهاد يحتاج أيضا إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه، غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزا ملكا، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدا ذليلا أسيرا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل:
إذا المرء لم يغلب هواه أقامه ... بمنزلة فيها العزيز ذليل
قال ابن المبارك: من صبر، فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إن النصر مع الصبر» " يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وأن الفرج مع الكرب» " وهذا يشهد له قوله عز وجل: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28] [الشورى: 28] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره» خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد