تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٤٥٨ من ٩٩٩.

[الحديث الحادي والعشرون قل آمنت بالله ثم استقم]

ج ١ · ص ٥١٠

الاستقامة حق الاستقامة، كما خرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» ، وفي رواية للإمام أحمد: «سددوا وقاربوا، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .

وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سددوا وقاربوا» .

فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض، فيصيبه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى، وقال له: «اذكر بالسداد تسديدك السهم، وبالهدى هدايتك الطريق» .

والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم بن حزن الكلفي: «أيها الناس، إنكم لن تعملوا - أو لن تطيقوا - كل ما أمرتكم، ولكن سددوا وأبشروا» والمعنى: اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة، فإنهم لو سددوا في العمل كله، لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كله.

فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [الأحقاف: 13] [الأحقاف: 13] بأنهم لم

ج ١ · ص ٥١١

يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فسر قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا} [الروم: 30] [الروم: 30] بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.

وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه، ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه، وفي " مسند الإمام أحمد " عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» وفي " الترمذي " عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: " «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» ".

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت