[الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا]
ج ٢ · ص ٥٤
لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2] ؟ [القيامة: 2] إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امرئ منهم يلوم نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدن ثم والله لأجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي. وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوان بن سليم: الجد الجد والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما نرجو كان ما عملتما فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر، لم نقل: {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] [فاطر: 37] ، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك.
[الحديث الخامس والعشرون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة]
ج ٢ · ص ٥٥
الحديث الخامس والعشرون. عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا «أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» . رواه مسلم.
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر رضي الله عنه، وقد روي معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج