[الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب]
ج ٢ · ص ٣٤٥
وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة كما قيل:
ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره
غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويدا القلب يبصره
قال الفضيل بن عياض: إن الله يقول: " كذب من ادعى محبتي، ونام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنا مطلع على أحبابي وقد مثلوني بين أعينهم، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدا أقر أعينهم في جناني ". ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم، ومن كان حاله هذا، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله، والمراد معرفته ومحبته وذكره، وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: " يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". وقال بعض العارفين: احذروه، فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده غيره، وفي هذا يقول بعضهم:
ليس للناس موضع في فؤادي ... زاد فيه هواك حتى امتلا
وقال آخر:
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... فما لحب سواهم فيه متسع
ج ٢ · ص ٣٤٦
وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة فقال: «أحبوا الله من كل قلوبكم» كما ذكره ابن إسحاق في " سيرته " فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، فهذا هو المراد بقوله: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه. ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يرون أنه لا يحسن أن يعصى الله. ووصت امرأة من السلف أولادها، فقالت لهم: تعودوا حب الله وطاعته، فإن المتقين ألفوا الطاعة، فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم الملعون بمعصية، مرت المعصية بهم محتشمة، فهم لها منكرون. ومن هذا المعنى قول علي: إن كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاصة، فإن معنى لا إله إلا الله: لا يؤله غيره حبا ورجاء، وخوفا، وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك، لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب، فيقع العبد