تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٢٤٦ من ٩٩٩.

[الحديث الثاني عشر من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه]

ج ١ · ص ٢٩٧

أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته حيث يعطي مكان كل سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أن يبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أن معنى تبدل: أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة، ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف حسنة، فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالا.

قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل عمران: 30] (آل عمران: 30) ورده بعضهم بقوله تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] (الزلزلة: 8) وقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] (الكهف: 49) ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يوقف على سيئاته، ثم تبدل حسنات، قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يؤتى كتابه في ستر من الله عز وجل، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، فعند ذلك يقول: {هاؤم اقرءوا كتابيه} [الحاقة: 19] (الحاقة: 19)

ج ١ · ص ٢٩٨

ورواه بعضهم، عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وقال بعضهم:، عن أبي عثمان، عن سلمان.

وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه» .

فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار، ففي حق من محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى، لأن محوها بذلك أحب إلى الله من محوها بالعقاب.

وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» ، وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سليمان بن داود الزهري عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفا، وهو أشبه من المرفوع، ويروى مثل هذا، عن الحسن البصري أيضا ويخالف قوله المشهور: إن التبديل في الدنيا

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت