تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٣١ من ٩٩٩.

[الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى]

ج ١ · ص ٨٢

ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في " مراسيله " عن عطاء الخراساني «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا» . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه، تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. ولا يرد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج. فأما إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك.

ج ١ · ص ٨٣

وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه «سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن» خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: «الرجل يعمل العمل لله فيحبه الناس عليه» . وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل، فيسره، فإذا اطلع عليه، أعجبه، فقال: له أجران: أجر السر، وأجر العلانية» . ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية. وبالجملة، فما أحسن قول سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أف لك به، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت.

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت