تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٣٢ من ٩٩٩.

[الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى]

ج ١ · ص ٨٣

وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه «سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن» خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: «الرجل يعمل العمل لله فيحبه الناس عليه» . وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم. وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة «أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل، فيسره، فإذا اطلع عليه، أعجبه، فقال: له أجران: أجر السر، وأجر العلانية» . ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية. وبالجملة، فما أحسن قول سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب. وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أف لك به، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد علمت.

ج ١ · ص ٨٤

فصل وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء، وهو أن تمييز العبادات من العادات، وتمييز العادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارة حمية، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله عز وجل، فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه. وكذلك العبادات، كالصلاة والصيام منها فرض، ومنها نفل. والفرض يتنوع أنواعا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات كل يوم وليلة، والصوم الواجب تارة يكون صيام رمضان، وتارة صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة، تكون نفلا وتكون فرضا، والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لامرئ ما نوى» . وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن لم يستحضر تسميته في الحال، وهو رواية، عن الإمام أحمد. ويبنى على هذا القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة، ونسي عينها، أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة. وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينية، أيضا بل تجزئ بنية الصيام مطلقا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت