[الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى]
ج ١ · ص ٨٧
النجاسة، وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية، جعلها كسائر شروط الصلاة، ومن اشترط لها النية، جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها، لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أمر، كان كفارة لذنوبه. وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة، كإزالة النجاسة، وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب، ولو شرك بين نية الوضوء، وبين قصد التبرد، أو إزالة النجاسة أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا قول أكثر أصحاب أحمد، لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء، لم يضره ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج، كما قال: «خذوا عني مناسككم» . ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم: مسائل الأيمان. فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب إليه، كقوله: لا والله، وبلى والله في أثناء الكلام، قال تعالى: {لا يؤاخذكم
ج ١ · ص ٨٨
الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] (البقرة: 225) . وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد بيمينه، فإن حلف بالطلاق أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يدين فيما بينه وبين الله عز وجل. وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟ فيه قولان للعلماء مشهوران وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته: شبهني، قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك. خرجه أبو عبيد وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها ويخلى عنها، فهي خلية من العقال، وهي طالق، لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته. قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله، وفي الحكم على تأويل عمر رضي الله عنه. ويروى عن سميط السدوسي، قال: خطبت امرأة، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني قد طلقتها ثلاثا، فزوجوني ثم نظروا، فإذا امرأتي عندي، فقالوا أليس قد طلقتها ثلاثا؟ فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، وفلانة فطلقتها، فأما هذه، فلم أطلقها، فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى