تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٣٩١ من ٩٩٩.

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]

ج ١ · ص ٤٤٣

التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» . فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبين بهذا أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب، وأما الكبائر، فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر للشهيد، لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإمام أحمد والترمذي.

وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دل عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر، وقد قيل: إن تلك السيئات تكتب حسنات أيضا، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره، وذكرنا أيضا عن

ج ١ · ص ٤٤٤

بعض السلف أنه يمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعف واحد من أضعاف ثواب الحسنة، وتبقى له تسع حسنات. والظاهر أن هذا مختص بالصغائر، وأما في الآخرة، فيوازن بين الحسنات والسيئات، ويقص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته، فقد نجا ودخل الجنة، وسواء في هذا الصغائر والكبائر، وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم، فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته، وبقي له حسنة، دخل بها الجنة. قال ابن مسعود: إن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة، ضاعفها الله حتى يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملك: رب فنيت حسناته، وبقي له طالبون كثير، قال: خذوا من سيئاتهم، فأضعفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار، خرجه ابن أبي حاتم وغيره. والمراد أن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إنما هو بفضل الله عز وجل، لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته فيها، وهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات، وأراد الله رحمته، فضل له من حسناته ما يدخله به الجنة، وكله من فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ورحمته. وخرج أبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي مرفوعا: " «أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: قل لأهل طاعتي من أمتك: لا يتكلوا على أعمالهم، فإني لا أقاص عبدا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من أمتك: لا يلقوا بأيديهم، فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي» "، ومصداق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من نوقش الحساب عذب» وفي رواية " هلك " والله أعلم.

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت