[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]
ج ٢ · ص ٩٨
فالبر بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار، كالمرض والفقر، وعلى الطاعات، كالصبر عند لقاء العدو.
وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس شاملا لهذه الخصال كلها، لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه، كما قال تعالى لرسوله {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] [القلم: 4] ، «وقالت عائشة: كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن» ، يعني أنه يتأدب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار العمل بالقرآن له خلقا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه، وهذا أحسن الأخلاق وأشرفها وأجملها.
وقد قيل: إن الدين كله خلق. وأما في حديث وابصة، فقال: «البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس» وفي رواية: «ما انشرح إليه الصدر» ، وفسر الحلال بنحو ذلك في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ضده.
وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار: «إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» .
ج ٢ · ص ٩٩
وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] » .
ولهذا سمى الله ما أمر به معروفا، وما نهى عنه منكرا، فقال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} [النحل: 90] [النحل: 90] ، وقال في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان، وانشرح به وانفسح، يسكن للحق، ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله.
وقال معاذ بن جبل: أحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا، خرجه أبو داود. وفي رواية له قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟ فهذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، بل يعرف الحق بالنور عليه، فيقبله قلبه، وينفر عن الباطل، فينكره ولا يعرفه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون في آخر الزمان قوم يحدثونكم بما لم