تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٨٠ من ٩٩٩.

[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]

ج ١ · ص ١٣١

من جهله، وسوء فهمه عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم: خلي بينك وبين المحراب والماء كلما شئت دخلت على الله عز وجل، ليس بينك وبينه ترجمان. ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكره الله وعبادته، استأنس بالله، واستوحش من خلقه ضرورة. قال ثور بن يزيد: قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال: يا معشر الحواريين، كلموا الله كثيرا، وكلموا الناس قليلا قالوا: كيف نكلم الله كثيرا؟ قال: ادخلوا بمناجاته، اخلوا بدعائه. خرجه أبو نعيم. وخرج أيضا بإسناده عن رياح، قال: كان عندنا رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، حتى أقعد من رجليه، فكان يصلي جالسا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى فاستقبل القبلة، ويقول: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، فرأيته كأنه منقبض، فقلت: كأنك تكره أن تؤتى؟ قال أجل، فقلت: أوما تستوحش؟ فقال كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني

ج ١ · ص ١٣٢

وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع الله أحد؟ . وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك، فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أنس. وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي. وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل. وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت، وقال: ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم، ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه، ثم غشي عليه. وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت، أو في بحر، أو في سهل، أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت