[الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب]
ج ٢ · ص ٣٥٣
ثيابهم، ودفئوا بها حتى طلعت الشمس عليهم، فانصرفوا وردت الشجرة إلى هيئتها. وخرج أبو قلابة [صائما] حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف، فأصابه عطش شديد، فقال: اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر، فأظلته سحابة، فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه، وذهب العطش عنه، فنزل فحوض حياضا فملأها، فانتهى إليه أصحابه فشربوا، وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء. ومثل هذا كثير جدا، ويطول استقصاؤه. وأكثر من كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء، ويختار ثوابه، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه. وقد روي أن سعد بن أبي وقاص كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته، فقيل له: لو دعوت الله لبصرك، وكان قد أضر، فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري. وابتلي بعضهم بالجذام، فقيل له: بلغنا أنك تعرف اسم الله الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك؟ فقال: يا ابن أخي، إنه هو الذي ابتلاني، وأنا أكره أن أراده. وقيل لإبراهيم التيمي - وهو في سجن الحجاج - لو دعوت الله تعالى، فقال: أكره أن أدعوه أن يفرج عني ما لي فيه أجر. وكذلك سعيد بن جبير صبر على أذى الحجاج حتى قتله، وكان مجاب الدعوة؛ كان له ديك يقوم بالليل بصياحه للصلاة فلم يصح ليلة في وقته، فلم يقم سعيد للصلاة فشق
ج ٢ · ص ٣٥٤
عليه، فقال: ما له؟ قطع صوته، فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: يا بني لا تدع بعد هذا على شيء. وذكر لرابعة رجل له منزلة عند الله، وهو يقتات بما يلتقطه من المنبوذات على المزابل، فقال رجل: ما ضر هذا أن يدعو الله أن يغنيه عن هذا؟ فقالت رابعة: إن أولياء الله إذا قضى الله لهم قضاء لم يتسخطوه. وكان حيوة بن شريح ضيق العيش جدا، فقيل له: لو دعوت الله أن يوسع عليك، فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهبا، فصارت تبرة في كفه، وقال: ما خير في الدنيا إلا الآخرة، ثم قال: هو أعلم بما يصلح عباده. وربما دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره، فلا يجيبه إلى سؤاله، ويعوضه ما هو خير له إما في الدنيا أو في الآخرة. وقد تقدم في حديث أنس المرفوع: «إن الله يقول: إن من عبادي من يسألني بابا من العبادة، فأكفه كيلا يدخله العجب» . وخرج الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله دينارا لم يعطه، ولو سأله درهما لم يعطه، ولو سأله فلسا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره» . وخرجه غيره من حديث سالم مرسلا،