[الحديث التاسع والثلاثون إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه]
ج ٢ · ص ٣٦٧
وقد روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلع نعليه في صلاته وأتمها، وقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما أذى ولم يعد صلاته» . ولو تكلم في صلاته ناسيا أنه في صلاة، ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد، ومذهب الشافعي: أنها لا تبطل بذلك. ولو أكل في صومه ناسيا، فالأكثرون على أنه لا يبطل صيامه، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه، فإنما أطمعه الله وسقاه» . وقال مالك: عليه الإعادة، لأنه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيا، والجمهور يقولون: قد أتى بنية الصيام، وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيا، فيعفى عنه. ولو جامع ناسيا، فهل حكمه حكم الآكل ناسيا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: - وهو المشهور عن أحمد - أنه يبطل صيامه بذلك وعليه القضاء، وفي الكفارة عنه روايتان. والثاني: لا يبطل صومه بذلك كالأكل، وهو مذهب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد. وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسيا: هل يبطل به النسك أم لا؟ . ولو حلف لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا ليمينه، أو مخطئا ظانا أنه غير المحلوف عليه، فهل يحنث في يمينه أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد: أحدها: لا يحنث بكل حال، ولو كانت اليمين بالطلاق والعتاق، وأنكر هذه
ج ٢ · ص ٣٦٨
الرواية عن أحمد الخلال، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قول الشافعي في أحد قوليه، وإسحاق وأبي ثور، وابن أبي شيبة، وروي عن عطاء، قال إسحاق: ويستخلف أنه كان ناسيا ليمينه. والثاني: يحنث بكل حال، وهو قول جماعة من السلف ومالك. والثالث: يفرق بين أن يكون يمينه بطلاق أو عتاق، أو بغيرهما وهو المشهور عن أحمد، وقول أبي عبيد، وكذا قال الأوزاعي في الطلاق، وقال: إنما الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيا، وأقام على امرأته، فلا إثم عليه، فإذا ذكر، فعليه اعتزال امرأته، فإن نسيانه قد زال. وحكى إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي. ولو قتل مؤمنا خطأ، فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ يظنه أنه مال نفسه. وكذا قال الجمهور في المحرم يقتل الصيد خطأ، أو ناسيا لإحرامه أن عليه جزاءه، ومنهم من قال: لا جزاء عليه إلا أن يكون متعمدا لقتله تمسكا بظاهر قوله عز وجل: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] الآية [المائدة: 95] ، وهو رواية عن أحمد، وأجاب الجمهور عن الآية بأنه رتب على قتله متعمدا الجزاء وانتقام الله تعالى، ومجموعهما يختص بالعامد، وإذا انتفى العمد انتفى الانتقام، وبقي الجزاء ثابتا بدليل آخر. والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما، فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا من هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر.