تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثالث بني الإسلام على خمس] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٩٨ من ٩٩٩.

[الحديث الثالث بني الإسلام على خمس]

ج ١ · ص ١٤٩

لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج، فلم يحج، ولم يوص بحجة، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها» ذكره ابن أبي حاتم وقال سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني. قلت: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاء من أجلاء علماء الشام. وقال ابن مسعود: من لم يزك، فلا صلاة له، ونفي القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن قام ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضا. ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان تكون مانعة من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما» وقال: «من أتى عرافا فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما» وقال: «أيما عبد أبق من مواليه، لم تقبل له صلاة.»

ج ١ · ص ١٥٠

وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة، لم يزل زوال الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل، وفي حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن «أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس» . ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك من الإسلام. وقد روى بعضهم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده، منهم أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيلي وغيرهم. وقد ضرب العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها. وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 24] (إبراهيم: 24) . والمراد بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب، وأكلها: هو الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت