تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة التغابن — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ١٦٢ من ١٨٩.

سورة التغابن

ج ١ · ص ١٦٣

...

سورة العلق:

أقول: لما تقدم في سورة التين بيان خلق الإنسان في أحسن تقويم، بين هنا أنه تعالى: {خلق الإنسان من علق} "2" وذلك ظاهر الاتصال، فالأول بيان العلة الصورية، وهذا بيان العلة المادية1.

سورة القدر:

قال الخطابي2: لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على القرآن، ووضعوا سورة القدر عقب العلق، استدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكناية في قوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} "1" الإشارة إلى قوله: {اقرأ} "العلق: 1".

قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا بديع جدا3.

أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها؛ كأنه لما قال سبحانه: {إنا أنزلناه} "القدر: 1" قيل: لم أنزل؟ فقيل: لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفا مطهرة، وذلك هو المنزل.

وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نسخ رسمه وهو: "إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديا لابتغى إليه الثاني، ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب"1.

وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها؛ حيث ذكر هناك إنزال القرآن، وهنا إنزال المال، وتكون السورتان تعليلا2 لما تضمنته سورة اقرأ؛ لأن [في] 3 أولها ذكر العلم، وفي أثنائها ذكر المال، فكأنه قيل: إنا لم ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر؛ بل ليستعان به على تقوانا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة4.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع