تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

سورة المدثر والقيامة — أسرار ترتيب القرآن

من أسرار ترتيب القرآن لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ١٦٨ من ١٨٩.

سورة المدثر والقيامة

ج ١ · ص ١٦٩

أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أنه [لما] 1 قال في آخر ما قبلها: {ولي دين} "الكافرون: 6" فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه، وسلم من شوائب الكدر2 والمخالفين، فعقب ببيان وقت ذلك، وهو مجيء الفتح والنصر، فإن الناس حين3 دخلوا في دين الله أفواجا، فقد تم4 الأمر وذهب الكفر5، وخلص دين الإسلام ممن كان يناوئه؛ ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم6.

وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدمة بمجاهدة جميع الكفار، بالتبري منهم، وإبطال دينهم، جزيتك على ذلك بالنصر والفتح، وتكثير الأتباع7.

قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما أعطاه [الله] 8 الكوثر؛ وهو: الخير الكثير، ناسب تحميله مشقاته وتكاليفه، فعقبها بمجاهدة الكفار، والتبري منهم، فلما امتثل ذلك أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه، وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال.

توقع زوالا إذا قيل تم9

قال الإمام: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} "الكافرون: 6"، فكأنه قيل: إلهي، وما جزائي؟ فقال الله له: النصر والفتح، فقال: وما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: {تبت يدا أبي لهب} "1" الآيات.

وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر معللا1 بقوله: {ولي دين} ، ويكون الوعيد راجعا إلى قوله: {لكم دينكم} على حد قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم} "آل عمران: 106".

قال: فتأمل في هذه المجانسة الحافلة2 بين هذه السور، مع أن سورة النصر من أواخر ما نزل بالمدينة3، والكافرون وتبت من أوائل ما نزل بمكة4؛ ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله، وبأمره.

قال: ووجه آخر؛ وهو: أنه لما قال: {لكم دينكم ولي دين} "الكافرون: 6" كأنه قيل: يا إلهي، ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، فقيل: وما ثواب العاصي؟ قال: الخسارة في الدنيا، والعقاب في العقبى، كما دلت عليه سورة تبت5.

دار الفضيلة للنشر والتوزيع