الوجه الحادي والعشرون من وجوه إعجازه (أن سامعه لا يمجه وقارئه لا يملة فتلذ له الأسماع وتشغف له القلوب)
ج ١ · ص ٢٦٢
ومن ذلك تكرير الأمثال، كقوله: (وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات.
وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة، بالمستوتقدين نارا، ثم
ضربه بأصحاب الصيب، قال الزمخشري: والثاني أبلغ من الأول، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، قال: ولذلك أخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.
ومن ذلك تكرير القصص، كقصة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء.
قال بعضهم: ذكر الله موسى في كتابه في مائة وعشرين موضعا.
وقال ابن العربي في القواصم: ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين موضعا.
وقصة موسى في تسعين آية.
وقد ألف البدر بن جماعة كتابا سماه المقتنص في فوائد تكرير القصص.
وذكر في فوائده:
أن في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله، أو إبدال كلمة بأخرى
لنكتة، وهذه عادة البلغاء.
ومنها: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن، ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر
بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من بعدهم، فلولا تكرار القصص
لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى آخرين، وكذا سائر القصص.
فأراد الله اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين.
ومنها: أن في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا
يخفى من الفصاحة.
ومنها: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام، فلهذا
كررت القصص دون الأحكام.
الوجه الثاني والعشرون من وجوه إعجازه (تيسيره تعالى حفظه وتقريبه على متحفظيه)
ج ١ · ص ٢٦٣
ومنها: أنه تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثله، ثم أوضح
الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن
الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا وبأي عبارة عبروا.
ومنها: أنه لما تحداهم قال: (فأتوا بسورة من مثله) .
فلو ذكرت القصة في موضع واحد، واكتفى بها لقال العربي: ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه.
ومنها: أن القصة الواحدة لما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة
ونقصان، وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج الأمر الواحد في صورة متباينة في النظم، وجذب النفوس إلى سماعهم لما جبلت عليه من حب التنقل بين الأشياء المتجددة، واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرآن، حيث لم يحصل - مع ذلك التكرير فيه -
هجنة في اللفظ، ولا ملل عند سماعه، فباين بذلك كلام المخلوقين.
وقد سئل: ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف، وسوقها مساقا واحدا في
موضع واحد دون غيرها من القصص، وأجيب بوجوه:
أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس
جمالا، فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإغضاء والستر.
وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف.
ثانيها: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، خلاف غيرها من القصص.
فإن مآلها إلى الوبال، كقصة إبليس وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم، فلما
اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمة القصص.
ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني:
إنما كرر الله قصص الأنبياء، وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى
عجز العرب، كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلته في سائر القصص.