تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مسألة — معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويسمى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران)

من معترك الأقران في إعجاز القرآن، ويسمى (إعجاز القرآن ومعترك الأقران) لـعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي — الورقة ١٬٠١٨ من ١٬٥٤٦.

مسألة

ج ٢ · ص ٦٣٠

كيف وأجل أسنان مفتاح التهليلة الشهادة الثانية، فأكثر من ذكر هذه

الكلمة المشرفة، حتى تمتزج مع معناها بلحمك ودمك، واطلب منه سبحانه

الثبات عليها، فقد قطع ظهور العابدين سوء الخاتمة، فكيف يخصب لك جناب حتى ترى ما خط لك في أم الكتاب.

وعلامة حسن الخاتمة استقامة ودوام ذكر، للحديث:

"يموت المرء على ما عاش عليه".

ولحديث: كل ميسر لما خلق له.

فكيف نطمع بحسنها وقد غرقنا في حب الدنيا والمواظبة على خصال مذمومة، وعند فراقنا لها يخاف علينا من استيلاء الشيطان لتمكنه منا عند الموت.

وعلامة ذلك أن في حبها طول أملنا، ونسينا الآخرة، والهوى يصد عن الحق، فكل فتنة أتتنا فمن حب الدنيا والجهل بمصارع أقراننا في كل ساعة.

أمرنا الصادق المصدوق أن نكون فيها كالغريب أو عابري سبيل، وإذا أمسينا فلا ننتظر الصباح، وإذا أصبحنا فلا ننتظر المساء، ونأخذ من صحتنا لسقمنا، ومن حياتنا لموتنا، فأعرضنا عن نصحه، وأطلنا أملنا مع رؤيتنا لموت الأطفال والشبان، ولهذا بادر من فتح الله بصيرته، فكان يصلي الصبح بوضوء العشاء، وآخر لم يضع جنبه على الأرض عشرين سنة، وآخر حسب ما بين مضغ اللقمة وبلعها خمسين تسبيحة، فكان لا يتقوت إلا بحساء الشعير، وآخر يقوئ ليلا ولا يغفي إلا إغفاء الطير.

وآخر ورده كل يوم مائة ألف تسبيحة.

وآخر لا يتحدث مع أخيه فيعاتبه على ذلك، فيقول له: أبادر خروج روحي.

ونحن مشتغلون بدنيا فانية، ويا ليتنا نلنا منها شيئا، وهذا سليمان أعطي منها ما لم يعطه أحد قبله ولا بعده، والرياح تجري بأمره رخاء حيث أراد، فلما استوسق ملكه قال: (هذا من فضل ربي) ... الآية، فما عدها نعمة كما نعدها، ولا حسبها كرامة من الله كما نظنها، بل خاف أن يكون استدراجا من حيث لا يعلم، ونحن أنعم علينا بنعمه لنصرفها في الطاعة، فغفلنا عنه وصرفناها في معصيته، أليس من الخسران المبين ما نحن فيه من الضلال المبين، عشنا عيش البهائم، بل هي أحسن حالا منا، لأنها تحس ونحن في موت الحس.

اللهم يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى بعد أن يئسوا، أنقذنا من هذا الوحل العظيم بجاه نبيك الكريم، عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم.

دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان — الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م