(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)
ج ٣ · ص ١٤٣
(قائلون) : من القائلة.
(قليلا ما تذكرون) ، انتصب قليلا ب (تذكرون) ، أي تذكرون تذكرا
قليلا، وما زائدة للتأكيد.
(قالوا إنا كنا ظالمين) :
اعتراف منهم بأنهم كانوا ظالمين لما جاءهم العذاب، ولو اعترفوا قبل ذلك لنفعهم.
(قاسمهما) ، من القسم، وهو الحلف، وذكر قسم
إبليس لآدم وحواء بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين، لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما وأقسما له أن يقبلا نصيحته.
أمته.
ومعنى الآية أن إبليس وجماعته يرى الإنسان من حيث لا يرونهم في الغالب، لأنه قد جاءت في رؤيتهم أحاديث كثيرة، فتحمل الآية على الأكثر جمعا بينه وبين الأحاديث، وفي الآخرة يراهم الإنسان ولا يرونهم، عكس الدنيا، فسبحان من قلب الحقائق.
(قالوا وجدنا عليها آباءنا) :
اعتذروا بعذرين باطلين:
أحدهما تقليد آبائهم، والآخر افتراؤهم على الله بأنه أمرهم، فرد الله عليهم أنه لا يأمر بالفحشاء.
(قالت أخراهم لأولاهم) :
قد قدمنا أن الأولى هم الرؤساء والقادة، والأخرى هم الأتباع والسفلة، والمعنى أن أخراهم طلبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم، لأنهم أضلوهم.
وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطابا لهم، إنما هو كقوله: قال فلان لفلان كذا، أي قال عنه وإن لم يخاطبه به.
(قال أولو كنا كارهين) :
الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم وما يكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون.
(متاع الدنيا قليل) :
ج ٣ · ص ١٤٤
وهذا الخطاب من شعيب لقومه لما قالوا له: (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) .
فإن قلت: العود إلى الشيء يقتضي أنه فعل قبل ذلك، وهذا محال في حق
الأنبياء قبل الرسالة؟
والجواب أن " عاد " قد تكون بمعنى صار، فلا تقتضي تقدم ذلك الحال
الذي صار إليه، قاله ابن عطية.
وقال الزمخشري: إن المراد بذلك الذين آمنوا
بشعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم
بقولهم: (لنخرجنك والذين آمنوا معك من قريتنا) ، فغلبوا في الخطاب بعود
الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك لا يجاب على قوله: (إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) .
فإن قلت: ما معنى هذا الاستثناء من شعيب مع علمه بعصمته، وأنه لا يعود
فيها، ولا يريد الله ذلك منه؟
والجواب: ما قدمناه من أن الأنبياء يتبرأون من إسناد الأمور إليهم
ويتأدبون مع الله.
فإن قلت: ما المانع من أن الكفار ادعوا على الرسل أنهم كانوا قبل البعثة
على ملتهم وافتروا عليهم ذلك؟
والجواب يمنع منه أن هذا أمر مشاهد حسي، وليس بعقلي، وقالوا في أصول
الفقه: إن عدد التواتر يقع في الأمر الحسي بخلاف العقلي، فلو أقر عشرون ألفا بعدم العالم لما قبل قولهم بخلاف ما لو أخبر جماعة بقدوم زيد، فإنا نقبل قولهم على الكذب فيه.
وأما الأول فالعقل يكذبهم، نعم يحتمل أن يكون العود على
حقيقته لاحتمال كون الرسل لم يظهروا لهم قبل البعثة أنهم مخالفون لدينهم، فلما بعثوا إليهم أظهروا المخالفة.