تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

قول المبطلين للقرعة، والجواب عنه — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٤٩٩ من ٥٥٣.

قول المبطلين للقرعة، والجواب عنه

قال أصحاب التعيين: لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء، كان له تعيينها في ثاني الحال باختياره .

قال أصحاب القرعة: هذا قياس فاسد، فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق لغير المطلقة، وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن، فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن الطلاق واقع عليها، لتملك به بضعها، أو واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها وكسوتها، فلم يملك هو تعيينه للتهمة، بخلاف الابتداء.

قال المبطلون للقرعة: رأينا القرعة قمارا وميسرا ، وقد حرمه الله - سبحانه وتعالى - في سورة المائدة ، وهي من آخر القرآن نزولا ، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك .

قال أصحاب القرعة : قد شرع الله ورسوله القرعة، وأخبر بها عن أنبيائه ورسله، مقررا لحكمها ، غير ذام لها، وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده ، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق، فلم يشرع لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلا، فالقرعة شرعه ودينه، وسنة أنبيائه ورسله.

قال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة .

قال أصحاب القرعة: الفرق أن ها هنا نستصحب أصل التحريم، ولا نزيله بالشك، بخلاف مسألتنا، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح، وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع، فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى.

قال المانعون: قد تخرج القرعة غير المطلقة، فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها .

قال المقرعون: هذا - أولا - اعتراض على السنة، فهو مردود.

وأيضا؛ فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض والتشهي، أو جعل المرأة معلقة إلى الموت، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن.

وأيضا؛ فإن القرعة مزيلة للتهمة.

وأيضا؛ فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه، والله أعلم.

فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوج ابنته رجلا، وله بنات، فمات، ولم يدر أيتهن هي؟ فقال: يقرع بينهن. وهذا يدل على أنه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية .

قيل: قد جعل القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد، وقال: وظاهر هذا أن الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهن؛ لأنه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهن.

قلت: هذا وهم من القاضي، فإن أحمد لم يقرع للحل، وإنما أقرع للميراث والعدة، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها.

قال الخلال في "الجامع": باب في الرجل يكون له أربع بنات ، # فزوج إحداهن، فمات الأب ومات الزوج، ولا يدري أيتهن هي الزوجة؟:

أخبرنا أبو النضر أن أبا عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب في رجل له أربع بنات، فزوج إحداهن لا يدري أيتهن هي: إنه يقرع بينهن.

أخبرني زهير بن صالح حدثنا أبي حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة عن قتادة: أن رجلا زوج ابنته من رجل، فمات الأب والزوج، ولا يدري الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب، فقال: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة ورثت واعتدت .

قال حماد : وسألت حماد بن أبي سليمان، فقال: يرثن جميعا ويعتددن جميعا .

قال صالح: قال أبي: قد ورث من ليس لها ميراث، وأوجب العدة على من ليس عليها عدة ، والذي يقرع في حال يكون قد أصاب، # وفي حال يكون قد أخطأ، وذاك لا شك أنه قد ورث من ليس لها ميراث .

قال الخلال: أخبرنا يحيى بن جعفر ، قال: قال عبد الوهاب : سألت سعيدا عن رجل زوج إحدى بناته - وسماها - ومات الأب والزوج، ولا يدري أيتهن هي؟ فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قالا: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فلها الصداق، ولها الميراث، وعليها العدة .

أخبرني محمد بن علي حدثنا الأثرم حدثنا عارم حدثنا حماد بن # سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في رجل زوج إحدى بناته رجلا ، فمات ومات الزوج، ولم تدر البينة أيتهن هي؟ قال: يقرع بينهن، فإذا قرعت واحدة ورثت واعتدت .

وحدثنا أبو بكر حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: يقرع بينهن .

قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن حنبل قال: حدثني أبي قال: قال عمي في رجل له بنات، زوج إحداهن من زوج، ثم إن الأب مات ولم يعلم أيتهن زوج؟ قال أبو عبد الله: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضا التي تقع عليها القرعة .

قال حنبل: وحدثني أبو عبد الله حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد ابن سلمة عن قتادة: أن رجلا زوج ابنته من رجل، فمات الزوج، ومات الأب، ولم يدر الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب # - رحمه الله - فقال: يقرع بينهن، وأيتهن أصابت القرعة ورثت واعتدت .

قال حماد بن سلمة: فسألت حماد بن أبي سليمان عن ذلك، فقال: يرثن ويعتددن جميعا .

قال حنبل: فسألت أبا عبد الله عن ذلك؟ فقال: يقرع بينهن على قول سعيد بن المسيب .

وقال حنبل: قال عفان: حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن رجل خطب إلى رجل ابنة له، وله بنات فأنكحه، ومات الخاطب، ولم يدر الأب أيتهن خطب؟ فقال سعيد: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة، فلها الصداق والميراث، وعليها العدة .

قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى هذا.

وكذلك رواية أبي طالب التي ذكرها القاضي .

قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثهم: أنه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلا، وله بنات، فماتا، ولم تدر البينة أيتهن هي؟ قال: يقرع بينهن، فإذا قرعت واحدة ورثت، قلت: حماد يقول: يرثن جميعا، قال: يقرع بينهم، وقال: القرعة أبين، إذا أقرع فأعطى واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري، هو في شك، فإذا أعطاهن فقد علم أنه أعطى من ليس له حق .

فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن إنما فيه القرعة بينهن في الميراث، وهي قرعة على مال، وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة بغيرها.

لكن في رواية حنبل ما يدل على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت، فإنه قال: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضا ، فهذه أصرح من رواية أبي طالب.

ولكن أكثر الروايات عن أحمد إنما هي في القرعة على الميراث، كما ذكر من ألفاظه، على أنه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه # المسألة على ظاهر رواية حنبل، فإن أكثر ما فيه تعيين الزوجة بالقرعة، والتمييز بينها وبين من ليست بزوجة، وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة، فإن القرعة تميز الزوجة من غيرها، وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين، وجهل السابق منهما، فإنه يقرع على أصح الروايتين ، وذلك لتمييز الزوج من غيره، فما الفرق بين تمييز الزوج بالقرعة وتمييز الزوجة بها؟ فالإقراع ها هنا ليس ببعيد من الأصول.

ويدل عليه: أنا نوجب عليها العدة بهذه القرعة، والعدة من أحكام النكاح، ولا سيما فالعدة الواجبة ها هنا عدة من غير مدخول بها، فهي من نكاح محض، كذلك الميراث، فإنه لولا ثبوت النكاح لما ورثت.

وقول أحمد في رواية حنبل: "يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته"، صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة، ثم قال: "وإن مات الزوج فهي التي ترثه"، وهذا صريح في أنه يقرع بينهن في حال حياة الزوج والزوجة، وإن مات بعد القرعة ورثته بحكم النكاح، ولا إشكال في ذلك بحمد الله، فإذا أقرعنا بينهن فأصابت القرعة إحداهن كان # رضا الزوج بها ورضا وليها ورضاها تصحيحا للنكاح.

ولا يقال: يجوز أن تكون القرعة أصابت غيرها ، فيكون جامعا بين الأختين؛ لأن المجهول كالمعدوم، ولأنا نأمره أن يطلق غير التي أصابتها القرعة، فيقول: ومن عداك من هؤلاء فهي طالق احتياطا، فهذا خير من توريث الجميع وحرمان الجميع؛ وأن يوقف الأمر فيهن أبدا حتى يتبين الحال وينكشف، وقد لا يتبين إلى يوم القيامة.

وبالجملة؛ فالقرعة طريق شرعي، شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه، فسلوكه أولى من غيره من الطرق.

وقد قال أبو حنيفة : إذا طلق امرأة من نسائه لا بعينها، فإنه لا يحال بينه وبينهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، فإذا وطئ انصرف الطلاق إلى الأخرى ، واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية ، فجعلوا الوطء تعيينا.

ومعلوم أن التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء، فإن القرعة تخرج من قدر الله إخراجه بها، ولا يتهم بها، والوطء تابع لإرادته وشهوته، ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها، فهو متهم في التعيين، فالتعيين بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة.

ومما يوضحه أن أبا حنيفة قد قال فيما إذا أعتق إحدى أمتيه ثم وطئ إحداهما: أن الوطء لا يعين المعتقة من غيرها .

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة