تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

الاحتجاج للقسامة في الأموال مع اللوث — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٢٨ من ٥٥٣.

الاحتجاج للقسامة في الأموال مع اللوث

في المغيرين.

وقال ابن القاسم: ولو ثبت أن رجلين غصبا عبدا فمات، يلزم أخذ قيمته من المليء، ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه .

وأما دلالة القرآن على ذلك فقال شيخنا - رحمه الله -: لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض المخوص ، وأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام، فلما ظهر الجام المدعى، وذكر مشتريه أنه اشتراه من الوصيين: صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعين، فإذا حلف الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم: صدقا في ذلك.

وهذا لوث في الأموال، نظير اللوث في الدماء، لكن هناك ردت اليمين على المدعي، بعد أن حلف المدعى عليه، فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء، وفي كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفا، أو باذلا للحلف.

وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم، حتى تصير يمين الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين، وفي حديث ابن عباس: "حلفا أن الجام لصاحبهم" . وفي حديث عكرمة : "ادعيا أنهما اشترياه منه، فحلف الأوليان أنهما ما كتما وغيبا" ، فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت الأيمان على المدعين في جميع ما ادعوه .

فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا حلف، ثم ظهر كذبه: هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه؛ لأن اليمين المشروعة في جانب الأقوى، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض وكذب المطلوب: قوي جانب المدعي، فحلف كما يحلف مع الشاهد الواحد، وكما يحلف صاحب اليد العرفية مقدما على اليد الحسية؟ انتهى.

والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء، فإن طرق ثبوتها أوسع من طرق ثبوت الدماء؛ فإنها تثبت بالشاهد واليمين ، والرجل والمرأتين، والنكول مع الرد، وبدونه، وغير ذلك من الطرق، وإذا حكمنا بالعمامة لمن هو مكشوف الرأس وأمامه رجل عليه عمامة وبيده أخرى وهو هارب، فإنما ذلك باللوث الظاهر القائم مقام الشاهدين، وأقوى منهما بكثير.

واللوث علامة ظاهرة لصدق المدعي، وقد اعتبرها الشارع في اللقطة ، وفي النسب ، وفي استحقاق السلب إذا ادعى اثنان قتل الكافر، وكان أثر الدم في سيف أحدهما أدل منه في سيف الآخر ، كما تقدم.

وعلى هذا: إذا ادعى عليه سرقة ماله، فأنكر وحلف له، ثم ظهر معه المسروق: حلف المدعي، وكانت يمينه أولى من يمين المدعى عليه ، وكان حكمه حكم دعوى استحقاق الدم في القسامة.

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة