تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

هل الشهادة حق على الشاهد؟ — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٣٥ من ٥٥٣.

هل الشهادة حق على الشاهد؟

شاهد فاسق بكتمانه، إلا أن هذا لا ينفي الضمان في نفس الأمر.

وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ضمن مسألة الشهادة على الشهادة في الحدود التي لله تعالى وللآدمي: أن الشهادة ليست حقا على الشاهد، بدلالة أن رجلا لو قال: لي على فلان شهادة فجحدها فلان، أن الحاكم لا يعدى عليه ولا يحضره، ولو كانت حقا عليه لأحضره، كما يحضره في سائر الحقوق، وسلم القاضي ذلك، وقال: ليس إذا لم يجز الاستعداء والإغراء ، أو لم تسمع الدعوى، لم تسمع الشهادة به، وكذلك أعاد ذكرها في مسألة شاهد الفرع على شاهد الأصل، وأن الشهادة ليست حقا على أحد، بدليل عدم الإعداء والإحضار إذا ادعى أن له قبل فلان شهادة .

وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإن الشهادة المتعينة حق على الشاهد، يجب عليه القيام بها، ويأثم بتركه، قال الله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} [البقرة: 283]. وقال تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وهل المراد به: إذا ما

إذا كتم الشاهد شهادته بالحق ضمنه

دعوا للتحمل، أو للأداء؟ على قولين للسلف ، وهما روايتان عن أحمد ، والصحيح: أن الآية تعمهما، فهي حق له، يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد، ولكن ليست حقا تصح الدعوى به والتحليف عليه؛ لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه والقدح فيه بالكتمان.

وقياس المذهب: أن الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه؛ لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل.

وطرد هذا الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه عليه بترك الحكم الواجب عليه.

فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه، أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها، فإنه لا يضمن في ذلك كله .

قيل: المنصوص عن عمر - رضي الله عنه - وغيره: إنما هو فيمن

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة