Skip to content

Books to be read, not browsed

إذا كتم الشاهد شهادته بالحق ضمنه — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 236 of 553.

إذا كتم الشاهد شهادته بالحق ضمنه

دعوا للتحمل، أو للأداء؟ على قولين للسلف ، وهما روايتان عن أحمد ، والصحيح: أن الآية تعمهما، فهي حق له، يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد، ولكن ليست حقا تصح الدعوى به والتحليف عليه؛ لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه والقدح فيه بالكتمان.

وقياس المذهب: أن الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه؛ لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل.

وطرد هذا الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه عليه بترك الحكم الواجب عليه.

فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه، أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها، فإنه لا يضمن في ذلك كله .

قيل: المنصوص عن عمر - رضي الله عنه - وغيره: إنما هو فيمن

الفرق بين هذه المسألة والمسألتين اللتين قبلها

استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم ديته ، وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل .

وأما هذه الصورة التي نقضتم بها فلا ترد.

والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: أنهما سببان للإتلاف بترك ما وجب عليهما من الشهادة والحكم، ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه، وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.

عدم مخالفة هذا الحكم لظاهر القرآن

فصل

الطريق الثامن من طرق الحكم: الحكم بالرجل الواحد والمرأتين.

قال الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282].

فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، وأنه لا يقضى بهما إلا عند عدم الشاهدين.

قيل : القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها، فإن شهادة الرجل الواحد أقوى من شهادة المرأتين؛ لأن النساء يتعذر غالبا حضورهن مجالس الحكام، وحفظهن وضبطهن دون حفظ الرجال وضبطهم، ولم يقل سبحانه: احكموا بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وقد جعل - سبحانه وتعالى - المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام: أحدها: هذا، والثاني: في # الميراث ، والثالث: في الدية ، والرابع: في العقيقة ، والخامس: في العتق، كما في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أعتق امرءا مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار" و"ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا منه من النار" .

Ed. Nayif ibn Ahmad al-Hamad — Dar 'Alam al-Fawa'id, Makka