الجارح والمعدل يجرح الشاهد ويعدله بالأستفاضة
الجارح والمعدل يجرح الشاهد بالاستفاضة، صرح بذلك أصحاب الشافعي وأحمد ، ويعدله بالاستفاضة ، ولا ريب أنا نشهد بعدالة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وفسق الحجاج.
والمقصود: أن الاستفاضة طريق من طرق العلم التي تنفي التهمة عن الشاهد والحاكم، وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين.
هل يكفي خبر الواحد في الحكم؟
فصل
الطريق الثاني والعشرون: الأخبار آحادا
وهو أن يخبره عدل يثق بخبره ويسكن إليه بأمر، فيغلب على ظنه صدقه فيه، أو يقطع به لقرينة احتفت به، فيجعل ذلك مستندا لحكمه، وهذا يصلح للترجيح والاستظهار بلا ريب، ولكن هل يكفي وحده في الحكم؟ هذا موضع تفصيل.
فيقال: إما أن يقترن بخبره ما يفيد معه اليقين أم لا، فإن اقترن بخبره ما يفيد معه اليقين جاز أن يحكم به، وينزل منزلة الشهادة، بل هو شهادة محضة في أصح الأقوال، وهو قول الجمهور ، فإنه لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظة "أشهد" بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، كانت شهادة منه، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضع واحد يدل على اشتراط لفظ "الشهادة"، ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط
الاستدلال لعدم اشتراط ذلك
يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب تنفي ذلك.
وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد وحكي ذلك عنه نصا .
قال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150]، ومعلوم قطعا أنه ليس المراد التلفظ بلفظة "أشهد" في هذا، بل مجرد الإخبار بتحريمه.
وقال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} [النساء: 166]، ولا تتوقف صحة هذه الشهادة على أن يقول - سبحانه # وتعالى - "أشهد بكذا".
وقال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} [الزخرف: 86] أي أخبر به، وتكلم به عن علم، والمراد به التوحيد.
ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: "أشهد أن لا إله إلا الله" بل لو قال: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" كان مسلما بالاتفاق، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" فإذا تكلموا بقول: "لا إله إلا الله" حصلت لهم العصمة، وإن لم يأتوا بلفظ "أشهد".
وقال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 30، 31].
وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" .
وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله وقول الزور" .
وفي لفظ: "ألا، وشهادة الزور" فسمى قول الزور شهادة، وإن لم يكن معه لفظ "أشهد".
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" .