مما يدل على صحة تعيين المطلقة بالقرعة حديث عتق الأعبد الستة
قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس ، ولا يدري عينها، فإذا لم يملك التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين لم يملكه في الأخرى.
وهذا أيضا سر المسألة وفقهها، فإن التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله تعالى ورسوله سببا للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيين بلا سبب، إذ هذا فرض المسألة، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أن التعيين بالسبب الذي نصبه الشرع له أولى من التعيين الذي لا سبب له.
فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر وتعلم عينها بزوال الاشتباه؛ فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنه لا يرجى ذلك فيها.
قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها، فإنه يصير في إبقائها إضرار به وبها، وإيقاف للأحكام، وجعل المرأة معلقة باقي عمرها، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا لا عهد لنا به في الشريعة .
فصل
ومما يدل على صحة تعيين المطلقة بالقرعة حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة ، فإن تصرفه في الجميع لما كان باطلا # جعل كأنه أعتق ثلثا منهم غير معين، فعينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرعة، والطلاق كالعتاق في هذا؛ لأن كل واحد منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية، فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك.
فإن قيل: العتاق أصله الملك، فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال القسمة ، وطرح القرعة على السهام، دخلت لتمييز الملك من الحرية، وليس كذلك الطلاق، لأن أصله النكاح، والنكاح لا تدخله القرعة، فكذلك الطلاق .
قيل: ومن سلم لكم أن القرعة لا تدخل في النكاح، بل الصحيح من الروايتين دخولها فيه، فيما إذا زوجها الوليان، ولم يعلم السابق منهما، فإنا نقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح، وأنه هو الأول، هذا منصوص أحمد في رواية ابن منصور وحنبل.
ونقل أبو الحارث ومهنا: لا يقرع في ذلك .
وعلى هذا فلا يلزم إذا لم تدخل القرعة في الحكم ألا تدخل في رفعه، فإن حد الزنا لا يثبت بشهادة النساء، ويسقط بشهادتهن، وهو ما إذا شهد عليها بالزنا، فذكرت أنها عذراء، وشهد بذلك النساء .
وكذلك لو قال - وقد رأى طائرا -: إن كان هذا غرابا ففلانة طالق، وإن لم يكن غرابا ففلان حر، ولم يعلم ما هو؟ فإنه يقرع بين المرأة والعبد عندكم أيضا، فيحكم بما خرجت به القرعة .
فإن قلتم هنا : لم تدخل القرعة في الطلاق بانفراده، بل دخلت # للتمييز بينه وبين العتق، والقرعة تدخل في العتق، بدليل حديث الأعبد الستة .
قيل: إذا دخلت للتمييز بين الطلاق والعتاق دخلت للتمييز بين المطلقة وغيرها، وكل ما قدر من المانع في أحد الموضعين فإنه يجري في الآخر سواء بسواء.
وأيضا؛ فإذا كانت القرعة تخرج المعتق من غيره، فإخراجها للمطلقة أولى وأحرى، فإن إخراج منفعة البضع من ملكه أسهل من إخراج عين الرقبة، وإبقاء الرق في العين أبدا أسهل من إبقاء بعض المنافع، وهي منفعة البضع، فإذا صلحت القرعة لذلك فهي لما دونه أقبل، وهذا في غاية الظهور .
وأيضا؛ فاشتباه المطلقة بغيرها لا يمنع استعمال القرعة.
دليله: مسألة الطائر، وقوله: إن كان غرابا فنسائي طوالق، وإن لم يكن فعبيدي أحرار.
فإن قلتم: قد يستعمل الشيء في حكم، ولا يستعمل في آخر، كالشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، يقبل في الأموال، دون الحدود والقصاص .
يوضحه: أنه لو ادعى سرقة، وأقام شاهدا وحلف معه، غرمناه المال، ولم نقطعه ، فكذا ها هنا: استعملنا القرعة في الرق والحرية، دون الطلاق؛ للحاجة.
قيل: الحاجة في إخراج المطلقة من غيرها كالحاجة في إخراج المعتق من غيره سواء، وإذا دخلت للتمييز بين الفرج المملوك بملك اليمين وغيره، صح دخولها للتمييز بين الفرج المملوك بعقد النكاح وغيره، ولا فرق، ولا يشبه ذلك مسألة القطع والغرم في أنه يثبت أحدهما بما لا يثبت به الآخر؛ لأنهما يختلفان في الأحكام وفيما يثبت به كل واحد منهما، والعتق والطلاق يتفقان في الأحكام ، وهو أن كل واحد منهما مبني على التغليب والسراية، ويثبت بما يثبت به الآخر.
وأيضا؛ فإن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها، كما قلتم في الشريكين إذا كان بينهما مال، فأراد قسمته، فإن الحاكم يجزئه ويقرع بينهما ، وكذلك إذا # أراد أن يسافر بإحدى نسائه ، وكذلك إذا أعتق عبيده الذين لا مال له سواهم في مرضه ، وكذلك إذا تساوى المدعيان في الحضور عند الحاكم ، وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في الدرجة وتشاحوا في العقد: أقرع بينهم ، وكذلك إذا قتل جماعة في حالة واحدة، وتشاح الأولياء في المقتص: أقرع بينهم، فمن قرع قتل له، وأخذت الدية للباقين .
فإن قلتم: التراضي على القسمة من غير قرعة جائز، وكذلك بين النساء إذا أراد السفر، ولا كذلك ها هنا؛ لأن التراضي على فسخ