تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

آثار عن الصحابة في القضاء والحكم بالفراسة والأمارات — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٧٩ من ٥٥٣.

آثار عن الصحابة في القضاء والحكم بالفراسة والأمارات

يؤتى بكوز من ماء، فأخذه بيده فألقاه عمدا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغير. فقال للذي انزعج: اذهب، وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنه لو تحركت في البيت فأرة لأزعجته، ومنعته من السرقة .

فصل

ومن الحكم بالفراسة والأمارات: ما رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجحدته، فسأله البينة، فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر، فشهدوا أنها لم تزوج وأن الغلام كاذب عليها ، وقد قذفها. فأمر عمر - رضي الله عنه - بضربه، فلقيه علي - رضي الله عنه -، فسأل عن أمرهم، فأخبر، فدعاهم، ثم قعد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنها أمي، قال: اجحدها، وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها، وأنكرتها.

فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا نعم، وفينا أيضا، فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر ائتني بطينة فيها دراهم، فأتاه بها، فعد أربعمائة وثمانين درهما، فدفعها مهرا لها. وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى، قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو والله ابني. قال: كيف ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيا ، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام. وخرج الرجل غازيا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان. فنشأ فيهم، وأنفت أن يكون ابني، فقال علي: أنا أبو الحسن، وألحقه بها ، وثبت نسبه .

ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب سأل رجلا: كيف أنت؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى # السجن. فأمر علي برده ، وقال: صدق، قال: كيف صدقته؟ قال: يحب المال والولد، وقد قال الله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] ويكره الموت، وهو حق ، ويشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يره، فأمر عمر - رضي الله عنه - بإطلاقه، قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته .

وقال أصبغ بن نباتة: جاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين يديه، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا معشر الناس، إن للداخل حيرة، وللسائل روعة، وهما دليل السهو والغفلة. فاحتملوا زلتي إن كانت من سهو نزل بي، ولا تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون. فتبسم علي - رضي الله عنه - وأعجب به، فقال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت ألفا وخمسمائة درهم في خربة بالسواد، فما علي؟ وما لي؟ فقال له علي - رضي الله عنه -: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجها قرية أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في خربة ليست تؤدي خراجها قرية أخرى عامرة فلك فيها أربعة أخماس، ولنا خمس .

قال الرجل: أصبتها في خربة ليس حولها أنيس، ولا عندها عمران، فخذ الخمس، قال: قد جعلته لك .

وأتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجل أسود، ومعه امرأة سوداء، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أغرس غرسا أسود، وهذه سوداء على ما ترى، فقد أتتني بولد أحمر، فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته، وإنه لولده. فبقي عمر لا يدري ما يقول، فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فقال للأسود: إن سألتك عن شيء أتصدقني؟ قال: أجل والله، قال: هل واقعت امرأتك وهي حائض؟ قال: قد كان ذلك، قال علي: الله أكبر، إن النطفة إذا اختلطت بالدم فخلق الله - عز وجل - منها خلقا كان أحمر، فلا تنكر # ولدك، فأنت جنيت على نفسك .

وقال جعفر بن محمد : أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار كانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفرتها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة ولا هممت بها، فقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما، فنظر علي إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة، فاعترفت .

قلت: ويشبه هذا ما ذكره الخرقي وغيره عن # أحمد : أن المرأة إذا ادعت أن زوجها عنين ، وأنكر ذلك، وهي ثيب، فإنه يخلى معها في بيت، ويقال له: أخرج ماءك على شيء، فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو مني، وبطل قولها. وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح .

وهذا حكم بالأمارات الظاهرة، فإن المني إذا جعل على النار ذاب واضمحل، وإن كان بياض بيض تجمع ويبس، فإن قال: أنا أعجز عن إخراج مائي صح قولها.

ويشبه هذا: ما ذكره بعض القضاة : أن زوجين ترافعا إليه، وادعى كل منهما: أن الآخر عذيوط يغوط عند الجماع ، # وتناكرا، فأمر أن يطعم أحدهما تينا ، والآخر قثاء ، فعلم صاحب العيب بذلك .

وقال أصبغ بن نباتة: إن شابا شكا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - نفرا، فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر، فعادوا ولم يعد أبي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئا، وكان معه مال كثير، وترافعنا إلى شريح، فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فدعا علي بالشرط، فوكل بكل رجل منهم رجلين، وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض، ولا يدعوا أحدا يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم. فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن غسله ودفنه؟ ومن تولى الصلاة عليه؟ وأين دفن؟ ونحو ذلك، والكاتب يكتب، ثم كبر # علي فكبر الحاضرون معه، والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم. ثم دعا آخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبه، ثم الآخر كذلك، حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، ثم أمر برد الأول، فقال: يا عدو الله، قد عرفت غدرك وكذبك بما سمعت من أصحابك، وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبر، وكبر معه الحاضرون، فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم، فدعا آخر منهم، فهدده، فقال: يا أمير المؤمنين والله لقد كنت كارها لما صنعوا، ثم دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعى الذي في السجن، وقيل له: قد أقر أصحابك ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بمثل ما أقر به القوم، فأغرمهم المال، وأقاد منهم بالقتيل .

ورفع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلا على هامته، فادعى المضروب: أنه أزال بصره وشمه، فقال: يمتحن، بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس، فإن كان صحيحا لم تثبت عيناه لها، وينحدر منها الدمع، وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه، فإن كان صحيح الشم: بلغت # الرائحة خيشومه ودمعت عيناه .

ورأيت في "أقضية علي - رضي الله عنه -" نظير هذه القضية، وأن المضروب ادعى أنه أخرس، فأمر أن يخرج لسانه، وينخس بإبرة، فإن خرج الدم أحمر فهو صحيح اللسان، وإن خرج أسود فهو أخرس .

وقال أصبغ بن نباتة: قيل لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في فداء أسرى المسلمين من أيدي المشركين، فقال: فنادوا منهم من كانت جراحاته بين يديه، دون من كانت من ورائه؛ فإنه فار .

قال: وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب، فتصدق بعشرها، وأمسك الباقي، فخاصموه إلى علي - رضي الله عنه - وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف. فقال: أنصفوك، قال: إنه قال لي: أخرج منها ما أحببت، قال: فأخرج عن الرجل تسعمائة، والباقي لك، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الرجل أمرك أن تخرج ما أحببت، وقد أحببت التسعمائة، فأخرجها.

وقضى في رجلين حرين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد، ثم يهربان من بلد إلى بلد بقطع أيديهما ؛ لأنهما سارقان لأنفسهما، ولأموال الناس.

قلت: وهذا من أحسن القضاء، وهو الحق ، وهما أولى بالقطع من السارق المعروف، فإن السارق إنما قطع - دون المنتهب والمغتصب -؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. ولهذا قطع النباش ، ولهذا جاءت السنة بقطع جاحد العارية .

وقضى علي - رضي الله عنه - أيضا في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة سرا، وجاء الزوج فدخل # الحجلة، فوثب إليه الصديق فاقتتلا، فقتل الزوج الصديق، فقامت إليه المرأة فقتلته، فقضى بدية الصديق على المرأة، ثم قتلها بالزوج، وإنما قضى بدية الصديق عليها؛ لأنها هي التي عرضته لقتل الزوج له، فكانت هي المتسببة إلى قتله، وكانت أولى بالضمان من الزوج المباشر قتله؛ لأن المباشر قتله قتلا مأذونا فيه، دفعا عن حرمته. فهذا من أحسن القضاء الذي لا يهتدي إليه كثير من الفقهاء، وهو الصواب.

وقضى في رجل فر من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله، وبقربه رجل ينظر إليهما، وهو يقدر على تخليصه، فوقف ينظر إليه حتى قتله. قضى أن يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت، وتفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر ولم ينكر .

فذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم إلى القول بذلك،

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة