تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

الذين رجمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٨٦ من ٥٥٣.

الذين رجمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزنا

ولم يذكروا غير ذلك، ورواته حفظوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل رجمه فأبى وقال: "لا". والذي قال: "إنه أمر برجمه" إما أن يكون جرى على المعتاد ، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا، فوهم، وقال: إنه أمر برجم المعترف.

وأيضا؛ فالذين رجمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزنا مضبوطون معدودون، وقصصهم محفوظة معروفة، وهم ستة نفر : الغامدية ، وماعز ، وصاحبة العسيف ، واليهوديين ، # والظاهر: أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرجمه. وعلم أن من هديه: رجم الزاني. فقال: "وأمر برجمه".

فإن قيل: فحديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه، الظاهر أنه في هذه القصة، وقد ذكر "أنه أقام الحد على الذي أصابها" .

قيل: لا يدل لفظ الحديث على أن القصة واحدة، وإن دل فقد قال البخاري: لم يسمعه حجاج من عبد الجبار، ولا سمعه عبد الجبار من أبيه. حكاه البيهقي عنه. على أن في قول البخاري: "إن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بأشهر" نظرا ؛ فإن مسلما روى في # "صحيحه" عن عبد الجبار قال: "كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي .. " الحديث، وليس في ترك رجمه - مع الاعتراف - ما يخالف أصول الشرع، فإنه قد تاب بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن تاب من حد قبل القدرة عليه سقط عنه في أصح القولين ، وقد أجمع عليه الناس في المحارب ، وهو تنبيه على من دونه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة لما فر ماعز من بين أيديهم: "هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه؟ " .

فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته، ولم يقر، ولم تقم عليه بينة، بل بمجرد إقرار المرأة عليه؟

قيل: هذا - لعمر الله - هو الذي يحتاج إلى جواب شاف، فإن الرجل لم يقر، بل قال: "أنا الذي أغثتها".

فيقال - والله أعلم -: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه أدرك وهو يشتد هاربا بين أيدي القوم، واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: هو هذا. وهذا لوث ظاهر.

وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه، وهو الحمل والرائحة .

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة