تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في الغلول] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٢٩٤ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في الغلول]

ج ٣ · ص ٣٨٧

ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه، كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدا قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر بالعداوة والسب، فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قتل ابن خطل، ومقيس والجاريتين وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقه.

فصل

فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم

فمنها قوله ( «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس» ) فهذا تحريم شرعي قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، كما في " الصحيح " عنه، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «اللهم إن إبراهيم خليلك حرم مكة، وإني أحرم المدينة» ) فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السماوات والأرض على لسان إبراهيم، ولهذا لم ينازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها، وإن تنازعوا في تحريم المدينة، والصواب المقطوع به تحريمها، إذ قد صح فيه بضعة وعشرون حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مطعن فيها بوجه.

[فصل في تحريق متاع الغال وضربه]

ج ٣ · ص ٣٨٨

ومنها: قوله ( «فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما» ) هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرما، كما أن تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع:

أحدها_ وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله -: أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهما، وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه وهواه، فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعذ مقيس بن صبابة، وابن خطل، ومن سمي معهما، لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما، بل حلا، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. وكانت العرب في

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م