تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

أسباب الفتح الأعظم — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٦٤٤ من ٢٬٦٢٨.

أسباب الفتح الأعظم

ج ٤ · ص ١٣٢

وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها، فليس بطبيب والله أعلم.

فصل

ولما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء، وصعود، وانتهاء، وانحطاط، تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض، بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها؛ لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة، وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض؛ لأنه إن فعله، تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، وتخلت عن تدبير المرض، ومقاومته بالكلية، ومثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه.

فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه، فإذا أخذ في الانحطاط، كان أولى بذلك. ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته، وفرغ سلاحه، كان أخذه سهلا، فإذا ولى وأخذ في الهرب، كان أسهل أخذا، وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه، وحال استفراغه، وسعة قوته فهكذا الداء، والدواء سواء.

فصل

ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يعدل إلى

ج ٤ · ص ١٣٣

الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى، إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ، فيجب أن يبتدئ بالأقوى، ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة، فتألفها الطبيعة ويقل انفعالها عنه، ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية، وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء، فلا يعالج بالدواء، وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد؟ فلا يقدم حتى يتبين له، ولا يجربه بما يخاف عاقبته، ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره.

وإذا اجتمعت أمراض، بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال:

إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة، فإنه يبدأ بالورم.

الثانية: أن يكون أحدها سببا للآخر، كالسدة والحمى العفنة، فإنه يبدأ بإزالة السبب.

الثالثة: أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن، فيبدأ بالحاد، ومع هذا فلا يغفل عن الآخر. وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض، إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج، فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة، وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه، وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه، وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد.

فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها

ثبت في " صحيح مسلم " من حديث جابر بن عبد الله أنه ( «كان في وفد ثقيف

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م