[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب]
ج ١ · ص ٢٠٨
وأيضا فإنها لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضا عما نقصته من العدد.
وأيضا فإنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون.
وأيضا فإنهم لم يأخذوا بعد في استقبال المعاش وأسباب الدنيا.
وأيضا فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمع واللسان والقلب لفراغه وعدم تمكن الاشتغال فيه، فيفهم القرآن ويتدبره.
وأيضا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلا من الاهتمام بها وتطويلها، وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها، والله المستعان.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من القراءة سكت بقدر ما يتراد إليه نفسه ثم رفع يديه كما تقدم، وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وبسط ظهره ومده واعتدل، ولم ينصب رأسه ولم يخفضه، بل يجعله حيال ظهره معادلا له.
وكان يقول: (سبحان ربي العظيم) وتارة يقول مع ذلك أو مقتصرا
ج ١ · ص ٢٠٩
عليه (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات وسجوده كذلك. وأما حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ( «رمقت الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان قيامه فركوعه فاعتداله فسجدته فجلسته ما بين السجدتين قريبا من السواء» . فهذا قد فهم منه بعضهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره ويعتدل كذلك) وفي هذا الفهم شيء، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها، وقد تقدم أنه قرأ في المغرب ب (الأعراف) (والطور) (والمرسلات) ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن قدر هذه القراءة، ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل السنن أنه قال: ( «ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الفتى، يعني: عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات» ) هذا مع قول أنس أنه كان يؤمهم ب (الصافات) فمراد البراء - والله أعلم - أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع