[فصل فوائد الحرير]
ج ٥ · ص ٢٣٤
{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] الآية. .. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك، فقال: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] )
قالوا: فيحتمل أن الثلاث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت، بمعنى أن الزوج كان يتمكن من المراجعة بعدها، كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة، ثم نسخ ذلك.
وقال ابن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث، وهو أن يفرق بين الألفاظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر - رضي الله عنه - الناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع، فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث، فلما رأى عمر - رضي الله عنه - في زمانه أمورا ظهرت، وأحوالا تغيرت، منع من حمل اللفظ على التكرار، وألزمهم الثلاث.
وقالت طائفة: معنى الحديث أن الناس كانت عادتهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيقاع الواحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة، وتتابعوا فيه، ومعنى الحديث على هذا: كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة، فهو إخبار عن الواقع، لا عن المشروع.
[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب]
ج ٥ · ص ٢٣٥
وقالت طائفة: ليس في الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة، ولا أنه أعلم بذلك فأقر عليه، ولا حجة إلا فيما قاله أو فعله، أو علم به فأقر عليه، ولا يعلم صحة واحدة من هذه الأمور في حديث أبي الصهباء.
قالوا: وإذا اختلفت علينا الأحاديث، نظرنا إلى ما عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم أعلم بسنته، فنظرنا فإذا الثابت عن عمر بن الخطاب الذي لا يثبت عنه غيره ما رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، (حدثنا زيد بن وهب، أنه رفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث) .
وروى وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: (جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك) .
وروى وكيع أيضا، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: (جاء رجل إلى عثمان بن عفان، فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث) .
وروى عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: (قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا، فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزر، اتخذت آيات الله هزوا) .