[لحم]
ج ٥ · ص ٦٦٨
فدبغتموه فانتفعتم به» ) . ولو كان الشعر طاهرا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى؛ لأنه أقل كلفة، وأسهل تناولا.
قال المطهرون للشعور: قال الله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] [النحل: 80] ، وهذا يعم أحياءها وأمواتها، وفي (مسند أحمد) : عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشاة لميمونة ميتة، فقال: (ألا انتفعتم بإهابها، قالوا: وكيف وهي ميتة؟ قال: إنما حرم لحمها» ) . وهذا ظاهر جدا في إباحة ما سوى اللحم، والشحم والكبد والطحال والألية كلها داخلة في اللحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن، والظفر والحافر، فإن الصحيح طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة.
قالوا: ولأنه لو أخذ حال الحياة، لكان طاهرا فلم ينجس بالموت، كالبيض وعكسه الأعضاء. قالوا: ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع، دل على أنه ليس جزءا من الحيوان، وأنه لا روح فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ما أبين من حي، فهو ميتة» ) . رواه أهل السنن. ولأنه لا يتألم بأخذه، ولا يحس بمسه، وذلك دليل عدم الحياة فيه، وأما النماء فلا يدل على
ج ٥ · ص ٦٦٩
الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها، فإن مجرد النماء لو دل على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرع بيبسه، لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له.
قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية.
قالوا: واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور والأصواف بريئة من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره.
قالوا: والأصل في الأعيان الطهارة، وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها، كالرجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة، ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة.
قالوا: وأما حديث عبد الله بن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد. قال أبو حاتم الرازي: أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق، وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب.
وأما حديث الشاة الميتة وقوله: ( «ألا انتفعتم بإهابها» ) ، ولم يتعرض للشعر فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر، مع أنه لا بد فيه من شعر، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد الإهاب المنتفع به بوجه دون وجه، فدل على أن الانتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو من الشعر.