تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[لحم الأرانب] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٥٧٠ من ٢٬٦٢٨.

[لحم الأرانب]

ج ٥ · ص ٦٨١

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( «نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب الصيد» ) .

وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ثمن الكلب سحت إلا كلب صيد» ) .

وقال ابن وهب: عمن أخبره، عن ابن شهاب، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن، ومهر الزانية، وثمن الكلب العقور» ) .

وقال ابن وهب: حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب العقور» ) .

ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضا، أن جابرا أحد من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ثمن الكلب، وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد، وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة، فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس؟ وأيضا لأنه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه بالميراث، والوصية، والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء،

[لحم حمار الوحش]

ج ٥ · ص ٦٨٢

وهما وجهان للشافعية، فجاز بيعه كالبغل والحمار.

فالجواب: أنه لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثناء كلب الصيد بوجه: أما حديث جابر - رضي الله عنه - فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث.

وقال في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا لا يصح، أبو المهزم ضعيف، يريد راويه عنه. وقال البيهقي: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن ثمن الكلب جماعة، منهم ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، ورافع بن خديج، وأبو جحيفة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. والحديث الذي روي في استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه فشبه عليه، والله أعلم.

وأما حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، فهو الذي ضعفه الإمام أحمد - رحمه الله - بالحسن بن أبي جعفر، وكأنه لم يقع له طريق حجاج بن محمد، وهو الذي قال فيه الدارقطني: الصواب أنه موقوف، وقد أعله ابن حزم، بأن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهو مدلس، وليس من رواية الليث عنه. وأعله البيهقي بأن أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهي عن اقتنائه من الكلاب فنقله إلى البيع.

قلت: ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا، وأنه خلط عليه أنه صح عنه أنه قال: ( «أربع من السحت: ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام» ) . وهذا علة أيضا للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد، فهو علة للموقوف والمرفوع.

وأما حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فباطل؛ لأن فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرحه الإمام

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م