[فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة]
ج ١ · ص ٣٤٥
للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع أن أصلي معك، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، ودعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين. قال أنس: (ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم) » رواه البخاري.
ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلا على هذا القول، وأما أحاديث الترغيب فيها، والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة.
وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها منقطع، وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به، كحديث يروى عن أنس مرفوعا ( «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا عن علة، كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور» ) وضعه زكريا بن دويد الكندي، عن حميد.
وأما حديث يعلى بن أشدق، عن عبد الله بن جراد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ( «من صلى منكم صلاة الضحى، فليصلها متعبدا، فإن الرجل ليصليها السنة من الدهر ثم ينساها ويدعها، فتحن إليه كما تحن الناقة إلى ولدها إذا فقدته» ) . فيا عجبا للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله، فإنه يروي هذا الحديث في كتاب
ج ١ · ص ٣٤٦
أفرده للضحى، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني نسخة يعلى بن الأشدق.
وقال ابن عدي: روى يعلى بن الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين، وبلغني عن أبي مسهر، قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جامع سفيان، وموطأ مالك، وشيئا من الفوائد.
وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كبر، اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبها بمائتي حديث، فجعل يحدث بها وهو لا يدري، وهو الذي قال له بعض مشايخ أصحابنا: أي شيء سمعته من عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة، وجامع سفيان - لا تحل الرواية عنه بحال.
وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان، حديث عائشة المتقدم: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة» ) وهو حديث طويل ذكره الحاكم في "صلاة الضحى" وهو حديث موضوع، المتهم به عمر بن صبح، قال البخاري: حدثني يحيى، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عدي: منكر الحديث.
وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب منه، وقال الدارقطني: متروك، وقال الأزدي: كذاب.
وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فرافصة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعا ( «من حافظ على سبحة الضحى، غفرت ذنوبه، وإن كانت بعدد الجراد، وأكثر من زبد البحر» ) ذكره الحاكم أيضا. وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذاب، وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب خبيث يضع الحديث، وقال البخاري، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث.