تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٤٤٦ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة]

ج ١ · ص ٤٧٩

عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الثياب، وحلق الرءوس، ورفع الصوت بالندب، والنياحة وتوابع ذلك.

وسن الخشوع للميت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك ويقول: ( «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب» )

وسن لأمته الحمد والاسترجاع، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه، وأعظمهم له حمدا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه، ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلب ممتلئ بالرضى، عن الله عز وجل وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده.

ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: ( «إن الله تعالى قضى بقضاء، فأحببت أن أرضى بقضائه» ) فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضى عن الله، ولرحمة الولد، والرقة عليه فحمد الله، ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمة ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديته لله، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة.

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م