[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى]
ج ٢ · ص ٤٩
وصح عنه أنه قال: ( «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم» ) . وفسر بأنه قد أفطر حكما، وإن لم ينوه، وبأنه قد دخل وقت فطره كأصبح وأمسى، ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب وجواب السباب، فأمره أن يقول لمن سابه: (إني صائم) فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر، وقيل: بقلبه تذكيرا لنفسه بالصوم، وقيل: يقوله في الفرض بلسانه، وفي التطوع في نفسه، لأنه أبعد عن الرياء.
فصل
وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام وأفطر، وخير الصحابة بين الأمرين.
وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله.
فلو اتفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم فهل لهم الفطر؟ فيه قولان أصحهما دليلا: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر
ج ٢ · ص ٥٠
لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله تعالى قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] [الأنفال 60] . والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القوة بالرمي. وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: ( «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم» ) . وكانت رخصة ثم نزلوا منزلا آخر فقال: ( «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» ) فكانت عزمة [فأفطرنا] ، فعلل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه، ولم يذكر في تعليله ولا أشار إليه، فالتعليل به اعتبارا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء