تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل صيام الدهر] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٦٧١ من ٢٬٦٢٨.

[فصل صيام الدهر]

ج ٢ · ص ١٩٥

وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين، نذكرهما ونبين فسادهما.

الطريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ، فالاحتياط يقتضي المنع منه صيانة للعبادة عما لا يجوز فيها عند كثير من أهل العلم، بل أكثرهم.

والطريقة الثانية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج وكانوا يقولون إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفسخ؛ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج، وهاتان الطريقتان باطلتان.

أما الأولى: فلأن الاحتياط إنما يشرع، إذا لم تتبين السنة، فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطا، فترك ما خالفها واتباعها، أحوط وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياط للخروج من خلاف العلماء، واحتياط للخروج من خلاف السنة، ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر.

وأيضا فإن الاحتياط ممتنع هنا، فإن للناس في الفسخ ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه محرم.

ج ٢ · ص ١٩٦

الثاني: أنه واجب، وهو قول جماعة من السلف والخلف.

الثالث: أنه مستحب، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من حرمه أولى بالاحتياط بالخروج من خلاف من أوجبه. وإذا تعذر الاحتياط بالخروج من الخلاف، تعين الاحتياط بالخروج من خلاف السنة.

فصل

وأما الطريقة الثانية فأظهر بطلانا من وجوه عديدة.

أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك عمره الثلاث في أشهر الحج في ذي القعدة، كما تقدم ذلك، وهو أوسط أشهر الحج. فكيف يظن أن الصحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، وقد تقدم فعله لذلك ثلاث مرات؟

الثاني: أنه قد ثبت في " الصحيحين "، أنه قال لهم عند الميقات: " «من شاء أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل» "، فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات، وعامة المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ؟ ولعمر الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدر أن لا يعلموا جوازها بالفسخ.

الثالث: أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل، وأمر من ساق الهدي أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، ففرق بين محرم ومحرم، وهذا يدل على أن سوق الهدي هو المانع من التحلل، لا مجرد الإحرام الأول، والعلة التي ذكروها لا تختص بمحرم دون محرم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التأثير في الحل وعدمه للهدي وجودا وعدما لا لغيره.

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م