[مقدمة المؤلف]
ج ١ · ص ٤١
أن تكون الخيرة لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبين تفرده هو بالاختيار، كما قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 31 - 32] [الزخرف: 31 - 32] ، فأنكر عليهم سبحانه تخيرهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ومدد آجالهم، وكذلك هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهكذا هذه الآية بين فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، كما قال تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] [الأنعام: 124] ، أي: الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره.
الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال: {ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} [القصص: 68] [القصص: 68] ولم يكن شركهم مقتضيا لإثبات خالق سواه حتى نزه نفسه عنه، فتأمله فإنه في غاية اللطف.
الخامس: أن هذا نظير قوله تعالى في [الحج: 73 - 76] : {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 73 - 74] ثم قال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} [الحج: 75 - 76] وهذا نظير قوله في [القصص: 69] {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} [القصص: 69] ونظير قوله في [الأنعام: 124] {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] فأخبر في ذلك كله عن علمه