[النهي عن قول القائل بعد فوات الأوان لو أني فعلت كذا]
ج ٣ · ص ١٠٤
وكان هديه صلى الله عليه وسلم عتق عبيد المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا، ويقول: ( «هم عتقاء الله عز وجل» ) .
وكان هديه أن من أسلم على شيء في يده، فهو له، ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام، بل يقره في يده كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يضمن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس، أو مال حال الحرب ولا قبله، ( «وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم، فقال عمر: تلك دماء أصيبت في سبيل الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد» ) فاتفق الصحابة على ما قال عمر، ولم يكن أيضا يرد على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم، ولا يتعرضون لها سواء في ذلك العقار والمنقول، هذا هديه الذي لا شك فيه.
ولما فتح مكة، قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم التي استولى عليها المشركون، فلم يرد على واحد منهم داره، وذلك لأنهم تركوها لله، وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عنها دورا خيرا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله، بل أبلغ من ذلك أنه لم يرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث، لأنه قد ترك بلده لله، وهاجر منه، فليس له أن
ج ٣ · ص ١٠٥
يعود يستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة، وسماه بائسا أن مات بمكة، ودفن بها بعد هجرته منها.
فصل
في هديه في الأرض المغنومة
ثبت عنه أنه قسم أرض بني قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين، وأما المدينة، ففتحت بالقرآن، وأسلم عليها أهلها، فأقرت بحالها. وأما مكة، ففتحها عنوة، ولم يقسمها، فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين فتحها عنوة، وترك قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهي وقف على المسلمين كلهم، وهم فيها سواء، فلا يمكن قسمتها، ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها، ومنهم من جوز بيع رباعها، ومنع إجارتها، والشافعي لما لم يجمع بين العنوة، وبين عدم القسمة، قال: إنها فتحت صلحا، فلذلك لم تقسم. قال: ولو فتحت عنوة، لكانت غنيمة، فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول، ولم ير بأسا من بيع رباع مكة، وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب دارا من صفوان بن أمية، ( «وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين تنزل غدا في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» ) وكان عقيل ورث أبا طالب، فلما كان أصل الشافعي أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب