[النهي عن قول القائل بعد فوات الأوان لو أني فعلت كذا]
ج ٣ · ص ١٠٧
ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصة، ولو كان حكمها حكم الغنيمة، لقسمها كلها بعد الخمس، ففي " السنن " و " المستدرك ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس» ) هذا لفظ أبي داود، وفي لفظ: «عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما، وهو الشطر لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، وكان ذلك الوطيح والكتيبة، والسلالم وتوابعها» . وفي لفظ له أيضا: ( «عزل نصفها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أحيز معهما» ) .
فصل
والذي يدل على أن مكة فتحت عنوة وجوه: أحدها: أنه لم ينقل أحد قط أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح، ولا جاءه أحد منهم صالحه على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه.
ولو كانت قد فتحت
ج ٣ · ص ١٠٨
صلحا، لم يقل: من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن، فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار» ) وفي لفظ: ( «إنها لا تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ) وفي لفظ: ( «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» ) . وهذا صريح في أنها فتحت عنوة.
وأيضا، فإنه ثبت في " الصحيح ": ( «أنه جعل يوم الفتح خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر وبطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة ادع لي الأنصار فجاءوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا، وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال