تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٤٠ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله]

ج ١ · ص ١٧٣

خمس. . .) وذكر منها قص الشارب.

واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجز شاربه» )

قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: ( «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى» ) ، قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضا، وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أسيد، ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة، أنهم كانوا يحفون شواربهم.

وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: (رأيت ابن عمر يحفي شاربه كأنه ينتفه) ، وقال بعضهم: حتى يرى بياض الجلد. قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونا عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسا على الرأس، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين

ج ١ · ص ١٧٤

ثلاثا وللمقصرين واحدة، فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره، فكذلك الشارب.

فصل

في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه

كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح، ويشهد له بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد، ليس بهذ مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام، بل هديه فيه أكمل الهدي، قالت عائشة: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه» . وكان كثيرا ما يعيد الكلام ثلاثا ليعقل عنه، وكان إذا سلم سلم ثلاثا. وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، فصل لا فضول ولا تقصير، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كره الشيء عرف في وجهه، ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا. وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه.

وكان يضحك مما يضحك منه، وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب وقوعه ويستندر.

وللضحك أسباب عديدة هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م