تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٦٨٦ من ٢٬٦٢٨.

فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة

ج ٤ · ص ١٧٤

منعت طويلا، وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: " لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا " وقال ابن سيرين: " ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء ".

وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا، ونحن أقل الناس وأنه حق على الله ألا يملأ دارا خيرة إلا ملأها عبرة.

وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت: " أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا ".

وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما، وهي في عزها فقيل لها: ما يبكيك لعل أحدا آذاك؟ قالت: لا ولكن رأيت غضارة في أهلي، وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا.

قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوما فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه الأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م