[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه]
ج ١ · ص ٢١٣
يسجد، ثم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» )
وصح عنه في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبا من ركوعه، وكان ركوعه قريبا من قيامه. فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه.
وأما حديث البراء بن عازب: ( «كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء» ) رواه البخاري، فقد تشبث به من ظن تقصير هذين الركنين ولا متعلق له، فإن الحديث مصرح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان، فلو كان القيام والقعود المستثنيين هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديث الواحد بعضه بعضا، فتعين قطعا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد، ولهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم فيهما إطالتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانه، وهذا بحمد الله واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه.
قال شيخنا: وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة وأحدثوه فيها، كما أحدثوا فيها ترك إتمام التكبير، وكما أحدثوا التأخير
ج ١ · ص ٢١٤
الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه صلى الله عليه وسلم، وربي في ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة.
فصل
ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه، وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضا، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله وهو وهم، فلا يصح ذلك عنه البتة، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ( «كان يكبر في كل خفض ورفع، إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع» ) وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه فصححه. والله أعلم.
(وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه) هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» )