تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في عظمة الصدق] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٨٩٥ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في عظمة الصدق]

ج ٥ · ص ٦

وتركهم حتى ماتوا جوعا وعطشا كما فعلوا بالرعاء.

ثبت في " صحيح مسلم ": عنه صلى الله عليه وسلم «أن رجلا ادعى على آخر أنه قتل أخاه، فاعترف، فقال: " دونك صاحبك "، فلما ولى، قال: " إن قتله، فهو مثله "، فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ " فقال: بلى، فخلى سبيله» .

وفي قوله: " فهو مثله "، قولان، أحدهما: أن القاتل إذا قيد منه، سقط ما عليه، فصار هو والمستقيد بمنزلة واحدة، وهو لم يقل: إنه بمنزلته قبل القتل، وإنما قال: إن قتله فهو مثله، وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله، فلا إشكال في الحديث، وإنما فيه التعريض لصاحب الحق بترك القود والعفو.

والثاني: أنه إن كان لم يرد قتل أخيه فقتله به، فهو متعد مثله إذ كان القاتل متعديا بالجناية، والمقتص متعد بقتل من لم يتعمد القتل، ويدل على هذا التأويل ما روى الإمام أحمد في " مسنده ": من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! ما أردت قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي:

[فصل في معنى تكرير الله للفظ التوبة في الآية]

ج ٥ · ص ٧

" أما إنه إذا كان صادقا، ثم قتلته دخلت النار "، فخلى سبيله» . وفي كتاب ابن حبيب في هذا الحديث زيادة، وهي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمد يد، وخطأ قلب» .

ثبت في " الصحيحين ": «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها، أي: حلي فأخذ، فاعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين» .

وفي هذا الحديث دليل على قتل الرجل بالمرأة، وعلى أن الجاني يفعل به كما فعل، وأن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتما، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد، لم يصح، فإن ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف.

في " الصحيحين ": «أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة: عبد أو وليدة في الجنين،

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م